أسعد السحمراني
41
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
إن استخدام شعب من الشعوب للاصطلاحات اللغوية مفيد إذا تمّت دراسته في فهم تطور قيمه الأخلاقية من عصر إلى عصر . كما أن التركيز على كلمات معينة يعطينا صورة عن المثل العليا في هذا المجتمع . لذلك إذا أردنا أن نرقى بشخص أو جماعة في الميدان الأخلاقي يجب أن نسعى إلى تطوير استخداماته اللغوية ، وترقيتها لأن ترقّيها دليل على رقي أفكاره ومفاهيمه ، وانحدارها دليل على أخلاق الشرّ والفساد عنده . وهذا يقودنا من جديد إلى أهمية التربية حيث يكون من واجب المربين والموجّهين أن يتجنّبوا في أحاديثهم وخطاباتهم الكلمات النابية لأنها ترسّخ صورا لمفاهيم غير سليمة في أذهان الناشئة . ونلاحظ ذلك مثلا في كتب الحساب للصغار حيث تطرح معظم المسائل على أنها عمليات شراء وبيع وربح وخسارة ، مما يطبع في أذهان الناشئة اهتماما مادّيا خاليا من القيم ، بدل أن تطرح المسائل الحسابية على أنها صرف لزكاة ، وحساب لمقدارها ، أو صرف لصدقة وكميتها ، أو أنها حسابات لمؤسسة إنسانية صحية أو اجتماعية أو تربوية ، مما يؤدي إلى تربية المتعلّمين وفق قيم مختلفة عن الأولى . أما الأدب الذي هو استخدام للّغة في صياغات نثرية أو شعرية تكون استعمالات الكلمات فيها دلالة على القيم الأخلاقية ، كما أن المضمون أو الموضوع يكون أيضا ذا دلالة أخلاقية . إن رصد وبرمجة موضوعات الكتابات الأدبية في حقبة ما ، ولمجتمع معين ، يعطي صورة عن مثل وقيم هذا المجتمع . فالمجتمع العربي في الجاهلية مثلا تبرز في شعره وأدبه موضوعات الترحّل ، والكرم ، والفروسية ، في حين يزداد المدح في كتابات أدباء البلاطات ، وبالمقابل يكثر الأدب التعليمي في حالات الانكباب على العلم والتطوير الحضاري . يعدّ الأدب وثيقة هامة لدراسة ظواهر الأخلاق عن الأديب أو المعجب بأدبه لأن في الأدب تعبيرا عن مكنونات ذات الشخص ، وفي الأدب أيضا عن القيم الأخلاقية للجماعة لأن الأدب ابن بيئته .